ابن كثير

169

البداية والنهاية

منه أن يجيره بمكة . فقال : إن حليف قريش لا يجير على صميمها . ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال : إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي . فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال نعم ! قل له فليأت . فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة ، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف ، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم . فقال : أمجير أو تابع ؟ قال لا بل مجير . قال إذا لا تخفر . فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه ، فلما انصرف انصرفوا معه . وذهب أبو سفيان إلى مجلسه . قال فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة توفي مطعم بن عدي بعده بيسير فقال حسان بن ثابت والله لأرثينه فقال فيما قال : فلو كان مجد مخلد اليوم واحد * من الناس نحى مجده اليوم مطعما أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبادك ما لبى محل وأحرما فلو سئلت عنه معد بأسرها * وقحطان أو باقي بقية جرهما لقالوا هو الموفي بخفرة جاره * وذمته يوما إذا ما تجشما وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم أعز وأكرما إباء إذا يأبى وألين شيمة * وأنوم عن جار إذا الليل أظلما قلت ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسارى بدر : " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء ( 1 ) لوهبتهم له " . فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب قال ابن إسحاق : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب يدعوهم إلى الله عز وجل ، ويخبرهم أنه نبي مرسل ، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به . قال ابن إسحاق : فحدثني من أصحابنا ، من لا أتهم عن زيد بن أسلم عن ربيعة بن عباد

--> ( 1 ) كذا في الأصل النقباء وهو تحريف ، والأرجح ما ذكره ابن الجوزي في الوفا : النتنى . وفي المواهب : ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له . وفي النهاية قال : سماهم نتنى لكفرهم .